كثيرةٌ كتب أصول الفقه التي ألّفتْ في زماننا ، وتكاد تتفق مناهج مؤلفيها على جعل الداعي للشروع في التأليف هو ذات النقد الذي يوجهونه لكتب المتقدمين ، والذي يكاد ينحصر -بحسب رأيهم - في مأخذين ، أكثروا من ذكرهما ، ومن الحط من كتب الأصول المتقدمة بسببهما وهما :


الأول : عُسر العبارة وتعقيد الصياغة لمسائل الأصول .
والثاني : إقحام المسائل العقلية والكلامية والحشوية ، التي لا صلة لها بعلم الأصول -بحسب رأي المنتقدين - .


وسار على هذين الانتقادين جمهور المعاصرين ، ورسّخوا في أذهان طلبة العلم ؛ هذين المأخذَين على أنهما منقصة ومثلبة تحط من قيمة جمهرة كبيرة من التراث الأصولي .
لكن غاب عن هؤلاء العلماء ؛ الآثار السيئة الناتجة من اقتصار طلبة العلم على كتب المتأخرين أو المعاصرين في علم الأصول ، مِمّن اعتنى بتيسير مادة علم الأصول واتخذ ذلك منهجاً ثابتاً في التأليف ، وذلك بتحري الألفاظ السهلة والمعاصرة في عرض المسائل الأصولية ، مع حذف كل ما ليس له صلة بعلم الاصول - بحسب رأي الناقدين-
وكان لهذا المنهج -أعني منهج التيسير - الأثر الكبير في تدني المستوى العلمي لدارسي علم أصول الفقه ؛ فقد انكبوا على كتب المعاصرين وهجروا كتب المتقدمين ، واعتادوا اللغة السهلة الميسرة لدراسة هذا العلم ، فكان الاعتياد على العبارة السهلة حاجزًا وعائقاً من الاستفادة من كتب المتقدمين التي هي الأصل ، والتي نشأ عليها العلماء .
ولست في مقام نقد كتب الأصول المعاصرة  ، ولا نقد مناهج الطلب المعاصرة ، إنما أردتُ توضيح وتبرير هذين المأخذَين المارَّي الذكر ، في كتب الأصول المتقدمة فأقول :
أما المأخذ الأول : فإنَّ عُسر العبارة له أسباب ومسوّغات ، تنتظم في أصلٍ عام واحد وهو : إن غاية علم الاصول أن يترقى المشتغل في علوم الشريعة إلى مرتبة الاجتهاد ، وتكميل أهلية النظر في الأدلة ، وهذه المنزلة تستلزم حِدَّةً في الذكاء ودقة في الفهم ولابد .

فمن عجز عن بلوغ القدرة على فهم مثل هذه الألفاظ و الاصطلاحات فهو عاجز عن بلوغ تلك الغاية التي من أجلها أسس علم الأصول ، وبالتالي فلايكلف الله نفساً إلا وسعها ، وليس مطلوباً من جميع أفراد الأمة أن يكونوا مجتهدين ، بل ليس مطلوبا من كل طلبة العلم أن يكونوا مجتهدين .

 لذا فعلم الأصول بدايةً ونهايةً مُوجّه للنُخبة من المشتغلين بالعلم الشرعي ، الذين وهبهم الله تعالى ميزات تؤهلهم لبلوغ مرتبة الاجتهاد ، وفي مقدمتها : الذكاء المتوقد والفهم الدقيق ، فمن البديهي أن مَن فقد هذه الأوصاف فأوْلى له أن يشتغل بتحصيل علمٍ يناسب قدراته العقلية ، ولا يُضيّع أوقاته فيما ليس أهل له . (فتدبروا) .

أما المأخذ الثاني : فإن إقحام المسائل العقلية ، وما يبدو أن لا صلة له بعلم الأصول من المسائل الكلامية وغيرها ، ليس لأجل التعقيد ولا التعسير ولا تضييع أوقات طالب العلم بما لانفع فيه ، كما توهم جمع كبير من أهل العلم ، بل مسوّغ ذلك متصل بما تقدم بيانه عند الإجابة على المأخذ الأول ، فإن الاشتغال بعلم الأصول والسعي لتحقيق أهلية النظر والاجتهاد يستلزم قدرات فائقة في التفكير والتدبر والفهم ، وإن إدراج مثل هذه المسائل ؛ لازمٌ من لوازم ترويض العقل وترقية الفكر لبلوغ تلك الأهلية ، فهي مسائل افتراضية ، الغاية منها تطوير قدرات التفكير والنظر عند طالب العلم ؛ لأجل التأهل لمرتبة الاجتهاد والاستنباط . 
وإن إخلاء علم الأصول من مثل هذه المسائل يؤدي إلى مزيد من الجمود في التفكير وتدنِّي في مراتب الذكاء والفهم ، و ركود مَلَكَة الاستنباط عند طالب العلم.
وأذكِّر أن بُنية علم الأصول متكونة من مفردات ومسائل ؛ للعقل نصيب كبير في فهمها ، فهو علم عقليُّ القوام ، تتطلب مسائله توقداً في الذكاء كما أشرت مراراً ؛ لِمَا يؤول في غاياته إلى ما تقدمت الإشارة إليه ...

أختم كلامي مذكراً مؤكداً  القولَ :

إن من عجز - أو تعذر عليه - فهم ودراسة كتب المتقدمين فليذر علم الأصول لأهله ، وليشتغل بما هو أهله .

أضف تعليق

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter