ضبط ما لا ينضبط  إن ترتب على عدم ضبطه مفسدة معتبرة :

 



 

 

 

هذا التأصيل يمكن أن يستوعب مجلداً كبيراً لاستيفاء متعلقاته ، وبيان جزئياته وحل مشكلاته .
لكن سأحاول توضيح اهم معالمه هنا ، فأقول :

جرت سنن التشريع على ضبط معالم الأحكام من جهة التأصيل ، بأن تكون واضحة الأوصاف المؤثرة في صياغتها ، من شروط وموانع ونحو ذلك ، سواءً في أبواب العبادات أو أبواب المعاملات والتشريعات الأخرى .
لكن قد يُتركُ ضبطُ الأحكام ؛ لتشعبها أو تنوعها ؛ تيسيراً على العباد ، ورفعاً للحرج عنهم ، ومراعاةً للتغيّر الحاصل في مصالح الناس بتجدد معايشهم وأحوالهم .
و من هنا فإن ترك ضبط الأحكام يكثر في أبواب المعاملات كأحكام البيوع و الأنكحة ؛ لكون هذه الأبواب ملحقةً بالمصالح الدنيوية ، فسِمَة التغيّر والتجدد ملاصقةٌ لها على اختلاف أحوال الأنام ومرور الأيام ، فضبط الأحكام وحصرها هنا يتعارض مع ما تقدم وصفه قريباً ، وهذا يكاد يكون هو الأصل لكثرته .
لكن قد يعود هذا التوصيف إلى الأصل الأول وهو ضبط الأحكام ، بحصرها بأوصاف منضبطة المعالم ؛ درءاً لمفسدة معتبرة قد تترتب على تنزيل الحكم في حال عدم ضبطه .
ولعل أبرز مثال و- دليل - في آنٍ معاً لِما أقول هو حديث "الشاة المصرّاة " المشهور ، فإن هذا المنوال من التشريع - وهو المعاوضات المالية - يغلب عليه عدم ضبطه بقيود تُضيّق على الناس مصالحهم ومعايشهم ، إلا ماتشتد إليه الضرورة التشريعية، فهو هنا ضُبِط بوصف واحد وهو : "صاع من تمر" ؛ لأن عدم ضبط العوض وحصره يؤدي إلى نزاعات عريضة بين البائعِين والمشترِين ، نظراً للاختلاف في مقدار المنفعة المتحققة للمشتري ، ومقدار ما أنفقه على تلك الشاة من علف ونحوه ، فكان هذا الأصل لازماً إعمالُه هنا بضبط العوض وحصره بأوصاف ظاهرة ؛ حسماً للنزاعات ، وهي - أي النزاعات - مفسدة معتبرة ، وهذا القيد - أعني المفسدة المعتبرة - هو قيد مهم جداً في تسويغ ضبط ما لا ينضبط ؛ فإن كانت المفسدة هيّنة محتملة ، او نادرة الحصول : لم تكن معتبرة حينئذٍ فتكون مفسدة ملغاة الاعتبار .
وهذا باب آخر من أبواب العلم أشير إليه لعل أحد طلبة الدراسات العليا يُشمّر له برسالة علمية وهو : معايير المفاسد غير المعتبرة وآثارها في الفقه الإسلامي .

أضف تعليق

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter