لعل من أهمِّ التساؤلات التي تُثار في مجال المعرفة ، وقوانين العلم ، والبحث العلمي هو :

ما مدى الحيادية والموضوعية التي تتصف بها قوانين ونظريات العلم والمعرفة ؟

وما مدى تجرّد العالمِ أو الباحث ، واستبعاد مشاعره وحالته النفسية عند صياغة ذلك القانون أو تلك النظرية  ؟

ربما جميعنا حين نمرُّ ببعض الأحوال أو المشاعر المتفائلة ، ونشوة من السعادة أو السرور : نرى - حينها - الأشياءَ من حولنا تتهلل سروراً وتفاؤلاً ، وهي في الحقيقة ليست كذلك ، إنما هو أثر تلك النشوة التي نشعر بها !

وفي المقابل : قد نمرَّ بأوقاتٍ من الحزن أو الاكتئابِ أو الخوف فنرى الأشياء من حولنا  بِعين متشائمة ، وبألوانٍ كئيبةٍ ، ومظاهر حزينة ، وهي في حقيقة الأمر ليست كذلك ، إنما حالتنا النفسية هي التي توهمنا بتلك المشاعر السوداوية والتشاؤمية .

ومن هنا أقول : ألا يخضع العالِمُ - ايّ عالمٍ كان وفي أيِّ علم كان - لهذه الحالة الوهمية من المشاعر؟

فَيُخضِع حصيلتَهُ المعرفية ، ومعلوماته النظرية لحالته النفسية ؟

ثم أضِف لذلك حقيقةً أخطر وهي :

إنّ أيّ عالمٍ أو باحثٍ مهما بلغَ ذكاؤه ، وإخلاصهِ في عمله ، وحياده في بحثِه : فإنه يبقى بشراً ، تعتريه الغفلة والنسيان والخطأ ، وتَمَوُّجٌ في مستوى الإدراك والتركيز ، فليس بالضرورة أن يكونَ في ذروة انتباههِ وقوة تفكيره طيلة أيامِ و ساعاتِ بحثه .

ومن هنا تعتري حصيلته العلمية احتمال الخطأ والوهم .

لا أقول هذه الكلمات لمجرد التشكيك بالعلوم والعلماء ، إنما لنعطي كل شئ حقه من التثبيت في أدمغتنا وعقولنا ، وأن لا نأخذ كل ما نتلقاه على سبيل القطع والجزم والتسليم .

فقد يشيع في أوساط الباحثين في علم ما : نظريةٌ أو اجتهادٌ خرج من أحد العلماء ، فيتلقاها مُحبّوه و طلابُه بالتسليم ، دون مراجعة أو إعادة نظر ، ثم يتولى مقلدوه ومحبوه نشر تلك النظرية أو الاجتهاد على أنها - أو أنه - حقيقة راسخة ، ويعمل بمقتضاها - أو بمقتضاه - أجيال من الناس ، عوام كانوا أو باحثين ، ثم يُقدِّر الله أن يقيّض لباحث متحرر أن يعيد النظر في تلك النظرية  - أو ذلك الاجتهاد - الذي صار حقيقة راسخة ، ومن المسلّمات ، فيكتشف ضعفها بل خطأها ، وأن أجيالاً من الناس قد عاشوا وبنوا حصيلتهم المعرفية ومشوا في حياتهم العَمَلية على تلك النظرية او ذلك الاجتهاد الخاطيء ...

و إني أجزم - بعد سنين من البحث والتقصّي والمتابعة في شتى ميادين البحث والمعرفة - أن هذا التوصيف المشار إليه آنفاً ، متغلغل في حيز كبير من الثوابت العلمية ، والتي مشى وعمل بمقتضاها ألوف بل أجيال من الناس .

و أن واقع حال التراث العلمي البشري في شتى الميادين ، بما في ذلك العلوم الدينية ، هو بحاجة إلى مجاميع بحث متخصصة متقنة في تخصصها لإعادة النظر و إعادة البحث فيما يتوهم أنه من الثوابت العلمية ، وذلك لتصحيح وتقويم البناء المعرفي ، وإعادة بناء العقل المسلم بوجه خاص ...

 

وللحديث تتمة مهمة إن شاء الله سبحانه .


أضف تعليق

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter