نقض المنطق الدقعشي([1])

بقلم الشيخ بلال فيصل البحر :

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى..و بعد:

ينتحل المنطقُ الدقعشي مذهب الدعوة إلى التوحيد والمقاتَلة عليه حتى الإقرار به أو القتل، لقوله عليه الصلاة والسلام : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) وقد سمعنا هذا غير مرة من قادتـهم وطالعناه على مواقعهم، وصرح به المتحدث باسمهم في لقائه مع الصحفي الألماني الذي أمّنوه فدخل الموصل.!

وهذا مذهب فاسد ؛ لأن الحديث من المقلوب كقوله تعالى : (فأصبحوا نادمين، فأخذهم العذاب) معناه فأصبحوا نادمين لـما أخذهم العذاب وعاينوه، لأن العذاب متقدم على الندم في الوجود، والندم أثر له.

وعليه فإن معنى هذا الحديث : أُمِرتُ أن أدعوَ الناس للتوحيد والإسلام حتى يقروه فأكفّ عنهم، أو يقاتلوني عليه فأُقاتلَهم، وليس فيه أنه يقاتل من كفّ عنه ولم يقبل التوحيد ويقر به، بل هذا مسكوت عنه، فلزم أن يُطلب حكمه من خارج، ومن الناس من يقول إنه على بابه لكنه خاص بقريش ومن بالجزيرة من كفار العرب، لحديث : (لا يبقى في جزيرة العرب دينان) فيكون لفظ : (الناس) من العام الذي أريد به الخصوص.

وقد دلت سيرته عليه الصلاة والسلام في الكفّ عن أصحاب الصوامع والرهبان ونحوهم على أن الحكم فيهم هو الكف عن مقاتلتهم، فإن الأصل هو الدعوة، والمقاتلة إنـما تقع لـمن اعترض سبيلها ونازعها وقاتل الدعاة إليها.

وأيضاً فإن كان قوله (أقاتل الناس) من العام الذي يراد به الخصوص، وأن الناس في هذا الحديث هم خصوص قريش وكفار الجزيرة، لزم أن لا يقاتل من كفار العالم إلا من قاتل لاعتراض الدعوة، لأن قريشا وكفار الجزيرة إنما قاتلوه لاعترض دعوته بالسيف، فشمول الحديث لغيرهم من كفار العالم إنـما هو بالمطابقة لسببه، أعني أن يعامل عامة الناس في تنزيل مقتضى هذا الحديث عليهم كما يعامل خصوص من ورد فيهم وهم قريش، فلا يقاتل منهم إلا من قاتل لاعتراض الدعوة والاعتداء عليها.

وعليه : فإنـهم يُدعَون إلى الشرائع دون قتال، فإن أقروا بـها وإلا قوتل من قاتل منهم لصد سبيل الدعوة والاعتداء عليها وإلا فلا، وأما الصنف الثالث وهم من كف عن قتال الدعوة ولم يقر بـها فإنه لم يكن أصلاً موجوداً في قريش، فمن الغلط والظلم إدخالهم في عموم الحديث.

فإن قيل: يلزم من هذا أن يبطل فرض الجهاد، والنصوص قد دلت على مضيه حتى قيام الساعة.؟

قيل: هذا من الخطأ الناشئ عن تكلف معاني النصوص الشرعية دون مراعاة السنن الكونية التي هي من قدر الله وإرادته، فإن الله قضى في سابق علمه استمرار وبقاء الصراع بين أوليائه وأعدائه، وعليه يبنى بقاء الجهاد واستمراره، فهو إذن من تحصيل الحاصل، فيبقى معنى الحديث وارداً في قتال من صد عن سبيل الله بالاعتداء والقتال.

ويلزم من المنطق "الدقعشي" امتناع وجود الذميين في دار الإسلام، وهم لا يقولونه وإلا كيف أمنوا الصحفيَّ الألماني، على أنه ليس من مقصود حزب الله اصطلام حزب الشيطان، ألا ترى أنه أخبر ببقائهم حتى قيام الساعة كما في (الصحيح) أن الساعة تقوم والروم أكثر عدداً، وأخبر أن الساعة تقوم وليس في الأرض من يقول (الله الله) وأخبر أنـها تقوم على شرار الناس، فالسعي لإفناء الكفار واستئصالهم من العبث الذي يقطع بعدم حصوله، والساعي لتحصيله كالـمُحْتَاضِ على عَرْضِ السرابِ.!

يؤكده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاءه الراشدين لم يتهيأ لهم ذلك، فكيف يتهيأ لمن بعدهم وهم دونـهم في العلم والفضل والدين، فمن العبث إذن سعي المنطق الدقعشي إلى اصطلام حزب الشيطان والشارع يُخبر ببقائهم، فدل على أن مقصود الشارع من القتال إنـما هو دفع من يعترض سبيل الدعوة إلى التوحيد والشرائع والعدوان عليها، وبه يُعلم أن خلاف العصريين في جهاد الطلب صوري محض.

والنصوص التي فيها بقاء الجهاد إلى قيام الساعة تتنزل على هذا المعنى لا غير، كقوله (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) فإنه متضمن الإخبارَ عن بقاء الجهاد لبقاء العدو الصاد لسبيل الدعوة، وهو يقتضي بقاء الهجرة من أرض الكافر الحربي المحض إلى أرض الإسلام، فهو من مجاز المراتب، وهو معنى اقتران الدين بالسيف، فإن الأمر وسط بين تطرف المنطق الدقعشي الذي لا يرى ديناً إلا بالسيف، وتفريط المنطق السلمي الذي يدعو إليه مثل الحبيب الجفري ونظرائه الذين لا يرون سيفاً في الدين.

والأرض التي فيها إسلام وكفر ليست من النوعيين على مقتضى ما قرره أبو العباس بن تيمية في (الفتيا الماردينية) كما في بلاد داغستان ونظرائها كالبلاد الأوربية وغيرها، وسيقول لك هؤلاء إنك مرجئ، ويقول لك أولئك أنت أصولي تقليدي، ولن يضروك حتى الأذى، ولله الأمر.

يتبع إن شاء الله تعالى ...



[1]))مصدر منحوت من الكلمتين : داعش والقاعدة .


أضف تعليق

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter

 
 

Login