*نحو تجديد الاجتهاد السياسي* :
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°


انقسم الإسلاميون - من علماء ودعاة - في زماننا هذا إلى مذهبين -إجمالاً- في قضية الخروج على ولاة الأمر ، وما يتصل بها من ثورات ونحو ذلك و هما :

       المذهب الأول : المانعون من الخروج و مقدماته(١) ؛ محتجين ومتمسكين بالأحاديث الواردة في حرمة الخروج على الإمام المسلم ، وقاسوا أو استنبطوا من تلك الآثار ومن أقوال علماء السلف القولَ بحرمة الثورات والمظاهرات مطلقاً .

      المذهب الثاني : المجيزون بل الداعون إلى الخروج على أئمة الجور والفجور - كذا - محتجين بنصوص أصلية ومستنبطة تؤيد مذهبهم ، وقد كانوا من أبرز الداعمين لما بات يعرف في وسائل الإعلام بـ"الربيع العربي"

وفي نظري أن كلا الفريقين لم يُصِب الحق والصواب في هذه القضية ، ولم يُقَدِّم للأمة حلولاً واقعية ناجحة في معاملة الأئمة : ظالمين كانوا أم كافرين .

ولا يلوح من أقوال الفريقين ما يدل على فقه عميق وفهم دقيق لهذه المنظومة الفقهية الشائكة بالغة الخطورة .

فإنه ليس من الفقه في شيء أن يكتفي المتصدر للإفتاء بإخبار المستفتي "مثلاً" : إن الله فرض الصيام على كل مسلم عاقل بالغ ، في جواب سؤاله : إني مريض فهل تجد لي رخصة بالإفطار؟

فحال الفريق الأول(٢) شبيه بحال هذا المتصدر للإفتاء ؛ حيث إن الاكتفاء بالإخبار بالحكم الأصلي للمسألة ليس فقهاً في حقيقة الأمر، بل لا يستلزم كبير علم لمعرفته ، فالجمود على حديث المنع من الخروج على أئمة الجور ليس فقهاً ، ولا يدل على فقه رباني .

لذا فكان لزاماً لهؤلاء أن يقدموا لأمتهم حلولاً واقعية وبدائل شرعية - من باب "فقه البدائل" .

ورحم الله العلّامة الرباني : ابن القيم إذ يقول : ( مِنْ فِقْهِ الْمُفْتِي وَنُصْحِهِ إذَا سَأَلَهُ الْمُسْتَفْتِي عَنْ شَيْءٍ فَمَنَعَهُ مِنْهُ، وَكَانَتْ حَاجَتُهُ تَدْعُوهُ إلَيْهِ، أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَا هُوَ عِوَضٌ لَهُ مِنْهُ، فَيَسُدُّ عَلَيْهِ بَابَ الْمَحْظُورِ، وَيَفْتَحُ لَهُ بَابَ الْمُبَاحِ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا مِنْ عَالِمٍ نَاصِحٍ مُشْفِقٍ قَدْ تَاجَرَ اللَّهَ وَعَامَلَهُ بِعِلْمِهِ ، فَمِثَالُهُ فِي الْعُلَمَاءِ مِثَالُ الطَّبِيبِ الْعَالِمِ النَّاصِحِ فِي الْأَطِبَّاءِ يَحْمِي الْعَلِيلَ عَمَّا يَضُرُّهُ، وَيَصِفُ لَهُ مَا يَنْفَعُهُ، فَهَذَا شَأْنُ أَطِبَّاءِ الْأَدْيَانِ وَالْأَبْدَانِ...وَهَذَا شَأْنُ خُلُقِ الرُّسُلِ وَوَرَثَتِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ ... وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا أَنْ يَشْتَرِيَ صَاعًا مِنْ التَّمْرِ الْجَيِّدِ بِصَاعَيْنِ مِنْ الرَّدِيءِ، ثُمَّ دَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُبَاحِ، فَقَالَ بِعْ الْجَمِيعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» فَمَنَعَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْمُحَرَّمِ، وَأَرْشَدَهُ إلَى الطَّرِيقِ الْمُبَاحِ .... وَهَذَا اقْتِدَاءٌ مِنْهُ بِرَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَإِنَّهُ يَسْأَلُهُ عَبْدُهُ الْحَاجَةَ فَيَمْنَعُهُ إيَّاهَا، وَيُعْطِيهِ مَا هُوَ أَصْلَحُ لَهُ وَأَنْفَعُ مِنْهَا، وَهَذَا غَايَةُ الْكَرَمِ وَالْحِكْمَةِ.) اهـ مختصراً .[ اعلام الموقعين ج٦/ص٤٦]
فكان لزاماً على هؤلاء القوم - إذ رأوا حرمة الخروج - مع تشوّف السائلين إلى الخلاص مما هم فيه من ظلم مهلك - أن يرشدونهم إلى بدائل واقعية مؤثرة تعينهم على التغيير بما يرضي الله تعالى ، لا أن يستمروا على ترديد تلك الإجابة ذاتها مشعرين غيرهم أنهم غير مكترثين بما يعانيه المسلمون ، راضين بما ينتهكه الولاة من ظلم ، وجرَّأ الطغاة من الولاة على التمادي في ظلمهم
وجورهم ؛ بذريعة حرمة الخروج عليهم و إن كانوا ظالمين .

فقد ساهم منهج هذا الفريق - قليلِ الفقه - في ترسيخ تهمة : الدين أفيون الشعوب ، وحضّ السفهاء والمخالفين لهم على ترويج مقولة : ...علماء السلطان ... !!!

كما إن تهوّر الفريق الثاني وتأجيجه حماس العوام و تسويغهم وحثهم على الخروج أو "الثورة" : فيه من الرعونة والطيش وقلة العلم : ما نرى آثاره ومفاسده العظيمة عياناً في أكثر من بلد مسلم ، و جرَّ على شباب الأمة - قبل غيرهم - من المهالك والفتن وتضييع الجهود والطاقات فضلاً عن سفك دماء الابرياء ، وإعطاء الذرائع للطواغيت من التمادي في ظلم رعاياهم : ما الله عليم به .

فقد فشل كلا الفريقين - المانعون من الخروج والداعون إليه - فشل الجميع في إعطاء أتباعهم - بل سائر أمتهم - حلولاً نافعة واقعية لعلاج هذه الظاهرة المعضلة .
وطَرْحُ السؤالِ هنا عن البديل "المفصَّل" عن كلا المنهجين دالٌّ على ضعف فهم مغزى هذه المقالة ؛ لأن الخوض في مثل هذه المسائل هو من باب النوازل العامة ، ولا ينبغي لفقيه حاذق أن يبتّ القول المفصَّل في نازلة عامة قبل وقوعها ، بل ولا أن يتصدر للنوازل العامة فقيه واحد ولو كان من أعلم أهل زمانه ، بل الواجب أن يتصدى لمثل هذه النوازل جَمْعٌ من حذاق الفقهاء ليعطوا لمستفتيهم مخرجاً مناسباً لهم ، خاصاً بهم لا يتعدى لغيرهم الا بفتوى أخرى؛ إذ الأصل في الفتوى الخصوص وعدم التعدي .

وهذه المقالة لا تستوفي كل متعلقات المسألة ؛ لأسباب لعلكم تعرفونها ، إنما القصد -كما في سائر المقالات- تسليط الاهتمام وحث النُظّار من المجتهدين إلى إعادة النظر فيها ، و إيجاد البدائل النافعة فيما تشتد له الحاجة من معرفة أحكام مثل هذه النوازل .
-------------------------------------
(١) كالمظاهرات والاعتصامات والاضرابات .

(٢) اعني الفريق المانع من الخروج مطلقاً .


 

التعليقات  
0 # طويلب علم 2019-02-04 00:24
السلام عليكم
هل يمكن تزويدنا بكتاب
العقوبات التي استقلت بتشريعها السنة النبوية
للدكتور محمد أنس سرميني
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
أضف تعليق

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter

 
 

Login