°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

      تناول الفقهاء والأصوليون الأسباب الجالبة للأعذار وللرُخص بأنواعها ، وغلب صنيع الأصوليين في إدراج تلك الاعذار ضمن عوارض الأهلية ، في حين تناثر ذكر تلك الاعذار في ثنايا كتب الفقه ؛ وذلك لتنوع أسبابها ، واتساع مظانها ، لكن يؤخذ على الفريقين - من فقهاء وأصوليين - اقتصارهم غالباً على تناول أصلين من أصول الأعذار الأربعة العامة التي إليها مآل جميع الاعذار الجزئية وهي الجهل والإكراه فحسب ، فظن كثير من المسلمين أن الأعذار لا تتعدى هذين الأصلين ، وغفلوا عن الأصلَين الآخرَيْن وهما : العجز والتأويل، فترتب على هذا الجهل والقصور : ظلم وتبديع وتفسيق وتكفيرجمع كبير من المسلمين المتأولين لايعلم كثرتهم إلا الله تعالى .

ولابد لكل متصدر للإفتاء أن يكون متقناً ضابطاً لهذه الأصول الأربعة العامة للأعذار - تأصيلاً وتنزيلاً - .

والقصد من هذه المقالة المختصرة هو التنبيه على أصل مهم وخطير من هذه الاصول الاربعة ، قَلَّ تناوُلُهُ من لدن أهل العلم رغم أهميته وأثره في شيوع إعذار المخالف ، وتخفيف حدة الاحتقان الطائفي والمذهبي،  والحد من التبديع والتفسيق والتكفير ، ذلكم هو العذر بالتأويل .

فقد ثبت عن النبي ﷺ عذره لغير واحد من الصحابة ؛ لأنه كان متأوّلاً ومن ذلك : ما رواه البخاري [٦٨٧٢] عن أسامة ابن زيد لما قتل الرجلَ بعد أن قال : لا إله إلا الله ، فقال له نبي الرحمة ﷺ : ( يَا أُسَامَةُ ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) فعذره رسول الله ﷺ بقتله ؛ لأنه كان متأولاً .

وعلى هذا جرى العمل عند التابعين ومن بعدهم ، فقد روى عبدالرزاق في مصنفه عَنْ مَعْمَرٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ , أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامٍ , كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنِ امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِ زَوْجِهَا , وَشَهِدَتْ عَلَى قَوْمِهَا بِالشِّرْكِ , وَلَحِقَتْ بِالْحَرُورِيَّةِ , فَتَزَوَّجَتْ , ثُمَّ إِنَّهَا رَجَعَتْ إِلَى أَهْلِهَا تَائِبَةً , قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ , فَإِنَّ الْفِتْنَةَ الْأُولَى ثَارَتْ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا كَثِيرٌ «فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُقِيمُوا عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فِي فَرْجٍ اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ , وَلَا قِصَاصٍ فِي قَتْلٍ أَصَابُوهُ , عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ , وَلَا يُرَدُّ مَا أَصَابُوهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ , إِلَّا أَنْ يُوجَدَ بِعَيْنِهِ , فَيُرَدَّ عَلَى صَاحِبِهِ , وَإِنِّي أَرَى أَنْ تُرَدَّ إِلَى زَوْجِهَا , وَأَنْ يُحَدَّ مَنِ افْتَرَى عَلَيْهَا» [ينظر: مصنف عبدالرزاق رقم الاثر ١٨٥٨٤]

 إلا أن مما ينبغي التنبيه إليه عند تناول العذر بالتأويل هو التأكيد على شرط قبوله والاعتداد به ؛ إذ ليس كل تأويل يُعد عذراً مقبولاً ، فلا بد أن يكون التأويل مستنداً إلى شبهة قوية من أصول الاستدلال المعتبرة ، و إلا فمتى ما كان التأويل ضعيفاً مبنياً على استدلال ضعيف انتفى اعتباره عذراً ، و من أجل ذلك لم يعذر أابو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه -  أهلَ الردةِّ حينما تأوّلوا قولَ الله تعالى : {خذ مِن أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكيهم بها} [التوبة:١٠٣] حيث تأولوا الآية قائلين : إن خطاب الأخذ من الأموال مخصوص بالنبي ﷺ وليس لنا أن ندفع الزكاة لأحد بعده ، فلما مات امتنعوا عن دفع الزكاة ، فحكم عليهم ابو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه - بالردة ، و قاتلهم ؛ لأن تأويلهم للآية لم يكن معتبراً بالميزان الشرعي المنضبط لتفسير النصوص .

***********

هذه مقالة موجزة جداً لهذا الأصل الهام ، عسى أن تكون بارقة لعنوان رسالة تصلح ان تقدم للماجستير أو الدكتوراه ، إذ لم اطلع على مَن كتب في (العذر بالتأويل وتطبيقاته المعاصرة في الفقه الإسلامي )


أضف تعليق

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter

 
 

Login