المتتبع لكتب شروح السنة يتبين له عظم الخطب في المقدار الكبير من الأحاديث التي لم يعتنِ العلماء بشرحها واستيفاء فوائدها إلى يومنا هذا .
ويعظم الخطب أكثر عند معرفة أن كثيراً من تلك الأحاديث المشروحة لاتزال بحاجة إلى مزيد بيان ، وتفتقر إلى تمام الاستنباط .
فهذا صحيح البخاري - مثلاً - وهو أكثر كتب السنة اعتناءً به من قِبَل أهل العلم ، شرحاً له وتقريباً ، ومع ذلك فإن الحديث من أحاديث البخاري ليُشكل عليّ او يبرق لي معنى من معانيه الخفية فأبحث عنه في فتح الباري وعمدة القاري والتوضيح وإرشاد الساري ، فلا أجد بغيتي ، رغم أن هذه الكتب الأربعة هي أهم و أوسع شروح البخاري المطبوعة ، بل هي سفن العلم ودواوين فقه الحديث الكبرى .
فهذا الكتاب -أعني صحيح البخاري - رغم كونه له النصيب الأكبر من عناية أهل العلم بخدمته وتقريب أحاديثه فلا تزال جملة كثيرة منها بحاجة لمزيد اعتناء ؛ لاستنباط فوائدها .
والمأخذ الأكبر على كتب شروح الحديث كونها تكاد تكون مقصورة على الكتب الستة ، رغم تفاوت الاهتمام بها من حيث عدد ما كُتب بشأنها من شروح .
وبالتالي فلاتزال ألوف من الأحاديث الصالحة للاحتجاج (من صحيح وحسن وحسن لغيره وصالح ) لاتزال مهجورة و تدعو بشدة إلى التشمير لخدمتها بالشرح والبيان .
و لإعطاء وصف واضح ومنضبط لهذا الفراغ العلمي أقول :
إن كتاب "مجمع الزوائد" لابن حجر الهيثمي - وهو كنز مهمَل من كنوز السنة حرِيّ بكلّ طالب علم أن يقتنيه - هذا الكنز صنفه الهيثمي جامعاً فيه ما زاد على الكتب الستة مما رَوَتْه المسانيد الستة (مسانيد الإمام أحمد والبزار والموصلي بالإضافة إلى معاجم الطبراني الثلاثة) فبلغ عدة أحاديثه 18776 حديثاً ولو حذفنا ما تكرر فيه سهواً ، وما سقط عن مرتبة الاحتجاج (من موضوع أو شديد الضعف) لتبقى منه زهاء عشرة الاف حديث تقريباً ، ثم لو أضفنا لهذا العدد : زوائد صحيحَي ابن حبان و ابن خزيمة ، وسنن الدارمي و الدارقطني ، ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي الكبرى لزاد العدد كثيراً على العشرة آلاف .
وإنك أيها الباحث الحريص لو تأملت في عدة أحاديث الكتب الستة بعد حذف المكرر منها لوجدت أنها تقارب 9500 حديث ، استئناساً بعدة أحاديث جامع الأصول لابن الأثير ، رغم أنه استبدل سنن ابن ماجة بموطأ مالك ، فيتبين لك أن عدة الاحاديث التي اعتنى أهل العلم بتقريبها هي أقل عدداً من الأحاديث التي لم يعتنوا بها شرحاً أو تقريباً .
فالخلاصة إن المتروك أكثر من المشروح من السنن .
  وبناء على كل ما تقدم : فإن شطراً من السنة لايزال بحاجة لعناية الراسخين في العلم لبيانها وتقريبها لطلبة العلم والباحثين ، وأكاد أجزم أن كثيراً من الثوابت المذهبية  "الفقهية والعقدية" ستتغير بل وتُهدم إذا ما تحقق هذا الإنجاز الكبير .

أضف تعليق

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter

 
 

Login