رغم أن لعلم النحو أهمية بالغة في علوم الشريعة بوجه عام ، والتفسير بوجه خاص ، فهو أحد أساليب التفسير المتفق على حجيتها ، وأحد موارد العلم بكتاب الله تعالى التي تفتح للعالم به من المعاني ودقائق الاستنباط ما لا يرد من غيره من علوم التفسير .
لكن يصاب الباحث بخيبة أمل كبيرة حينما يتصفح كتب إعراب القران ، حيث يجد بُعداً وتشويهاً لوظيفة علم النحو في تذوق معاني القران وكشف دقائقه .
فصارت هذه الكتب الضخمة لا تُظهر الفائدة المرجوّة من تعلم النحو ، بل مادة جافة غير مستساغة ، قليلة الفائدة ، فقصارى أمرها أن تكون في مصاف كتب النحو التعليمية التي تفتقر لإظهار أهمية علم النحو كوسيلة  معتبرة لتفسير القران .

وأعرض لكم نموذجاً مما في كتب إعراب القران ثم أتبعه بالطريقة المثلى للاستفادة من علم النحو في تفسير القرآن و إثراء معانيه ، وذلك في قوله تعالى : (الذين يؤمنون بالغيب )
ففي كتب إعراب القران نجد التالي :
{الذين} : اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب، صفة (للمتقين) .
{يؤمنون} : فعل مضارع مرفوع علامة رفعه ثبوت النون .
{بالغيب} : جار ومجرور .. الخ .
فهذه طريقة كتب إعراب القران ، ثم انظر إلى الطريقة المثلى في إعراب القران :
{الذين} : اسم موصول يدل على عِلّية الصلة لما قبله ، فيكون المعنى : إن هذا الكتاب هدى للمتقين ؛ وعلة استحقاقهم لهذه المنزلة لأنهم يؤمنون بالغيب ...الخ الآية .
{يؤمنون} : فعل مضارع يدل هنا على الاستمرار والتجدد ، و مِمّا يؤخذ منه :
1. دخول أشراط الساعة في مسمى الإيمان .
2. دخول الأعمال الصالحة في مسمى الإيمان .
3. إن دخول المؤمنين في بداية الخطاب مشروط بثباتهم واستمرارهم على الإيمان والأعمال الصالحة .
{ بالغيب } : الباء حرف جر ، يرِد لجملة من المعاني ، منها : الظرفية ، والبدلية ، والتعدية ، والاستعانة ، والعوضية ، والسببية ، والمصاحبة ، وغيرها .
وعلى فرض كل معنى من هذه المعاني يتعين معنى مختلف للغيب ، فعلى كونها ظرفية : يدل على الاستضعاف أو على البراءة من النفاق .
وعلى فرض كونها سببية يكون معنى الغيب : الآيات القرانية أو الكونية الداعية أو الدالة على الإيمان بالله تعالى .
وعلى فرض كونها للتعدية : يكون معنى الغيب : الإيمان بالأمور الغيبية التي جاء بها الإسلام كالإيمان بالله تعالى وملائكته ، وكذا علامات الساعة المستقبلية  ونحو ذلك .

وقاعدة التفسير عند احتمال اللفظ القرآني لأكثر من معنى هي :

جواز حمل اللفظ على جميع معانيه  ، بشروط ليس هذا محل بسطها .

فعلى هذا يكون المراد بالغيب كل تلك المعاني التي اقتضاها حرف الباء .

 

فتأملوا - رعاكم الله - كيف أثرى النحو معاني القران ، وكَشَفَ مخدراته ، و تُذوقت دقائق دلالاته .

 

أضف تعليق

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter

 
 

Login