اعتاد أكثر الباحثين المعاصرين في العلوم الفقهية عند تناولهم للمسائل الخلافية بين المذاهب إطلاق قول واحد ونسبته للمذهب الواحد ، فيقولون - على سبيل المثال - : عند الحنفية كذا وعند المالكية كذا وعند الشافعية كذا .

 موهمين أن فقهاء ذلك المذهب على وفاق أو إجماع في تلك المسألة الجزئية ، مساهمين -بذلك - في ترسيخ مزيد من الثوابت الوهمية التي تراكمت في عقول المسلمين من العوام أو الخواص .

 في حين إن حقيقة الأمر مغايرة تماماً لتلك الدعوى وأبعد ما تكون عن الواقع الفعلي لبناء معالم المذهب (أي مذهب كان) ، ولنأخذ على ذلك مثالاً يمكن تعميمه على سائر المذاهب الإسلامية - و المنتسبة للإسلام - دون استثناء :

فقد اشتهر عند متأخري فقهاء المذهب الشافعي أن الرافعي والنووي رحمهما الله تعالى ، هما أشهر و أهم محققي المذهب ، وأن التعويل عليهما في الترجيح وتحقيق المذهب ، وهذا ما سار عليه جمهور الشافعية المتأخرون من العوام والعلماء ، بما يوهم الإجماع على ذلك ، و لكن الواقع العملي لصنيع الفقهاء الذين أتوا من بعدهما ينسف هذا التأصيل تماماً ويجعله أقرب إلى كونه مجرد وجهة نظر منه إلى القانون المعمول به عند من أتى بعد الشيخين الجليلين ، فهذا جمال الدين الإسنوي ألّف كتاب (المهمات) في عشر مجلدات خصصه للتعقيب والرد على الشيخين ، أعني الرافعي والنووي ، وبين مواطنَ الخللِ والخطأ في كتابيهما : العزيز والروضة ، ثم جاء بعده سراج الدين البُلقيني فألّف كتاباً أسماه (الملمات برد المهمات) يرد فيه على الإسنوي ويبين مواضع خطأه ، رغم أن البُلقيني نفسه رحمه الله ألّف كتابا أكبر من (الملمات) أسماه : (تصحيح المنهاج) أي : منهاج الطالبين للنووي !!! تعقب فيه أقوال النووي وترجيحاته في كتابه : منهاج الطالبين وعمدة المفتين!!!

فإن قال معترض : إن الإسنوي لا يعتد بترجيحاته ، ولا يؤخذ باعتراضاته .

فلهذا الاعتراض جواب طويل الذيل مختصره : أن يقال مَن الذي لا يَعتَد بقول الإسنوي ؟ فإن قال : فلان وفلان من الشافعية ، فيقال : فما بال باقي الفقهاء اعتدوا بقوله ، و أخذوا  بترجيحاته ؟! ، ثم ما هو ضابط من يؤخذ بقوله ومن لا يؤخذ بقوله في الترجيح بين أقوال الشافعية ؟

ومع ذلك فهذا ابو يحيى زكريا الأنصاري الملقب بـ (شيخ الإسلام ) عند الشافعية، ألّف مختصراً في الفقه هذّب فيه  : منهاج الطالبين وعمدة المفتين للنووي وقال في مقدمته عند بيان سبب تأليفه أنه قصد : ( إبدال غير المعتمد به ) ، أي : بالمعتمد ، وجاء قبله إسماعيل المُقّري وهذب روضة الطالبين حاذياً حذو العلماء الذين سبقوه ، وتلوه في التعقيب على ترجيحات النووي ، في حين إن النووي صنع هذا الصنيع في كتابيه الروضة والمنهاج حيث تعقب ما يراه من أخطاء في كتابَي شيخه الرافعي : العزيز والمحرر ، والرافعي سلك المسلك ذاته في التعقيب على كتاب الغزالي الوجيز ، وقِس هذ السلوك في التعقب والاعتراض في سائر المذاهب بل وسائر العلوم الدينية وحتى غير الدينية .

.

*******************************************************************************************

فهذه كلمة بارقة لعقول الساعين إلى التحرر من المورثات الدينية التي يتوهم أنها من المسلّمات ، وزحزحة  الثوابت الوهمية التي رسخت في أذهان كثير من المسلمين في تصور ماهية المذهب (أي مذهب كان) أو أن جميع الفقهاء المذهب الواحد على حرف واحد أو قول واحد في كل جزئيات ذلك المذهب ،فيُحجّروا على أنفسهم أمراً لهم فيه سعة ، ويضيقوا البدائل المتاحة لهم عند النوازل .

 

أضف تعليق

كود امني
تحديث

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

 
 

Login