الإشهاد في الطلاق

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى..وبعد:

فهذا جواب مختصر يتعلق بالكلام على مسألة الإشهاد في الطلاق وهل هو شرط في وقوعه بحيث لا يقع طلاق بدونه أم لا.؟

وقد كثر الكلام على هذه المسألة في هذه الأيام حتى هجم على الإفتاء فيها بعدم صحة الطلاق بعضُ الناس، وتعلقوا في ذلك بما رواه مُطَرِّف بن عبد الله أن عمران بن حصين رضي الله عنه سُئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: (طلَّقتَ لغير سنة، وراجعتَ لغير سنة، أَشْهِدْ على طلاقها وعلى رجعتها ولا تَعُد).

أخرجه أبو داود، وابن ماجه دون قوله: (ولا تعد) وحسنه الحافظ أبو الحسن بن القطان، وصححه الحافظ ابن حجر.([1])

وأخرجه عبد الرزاق, وسعيد بن منصور, والطبراني, والبيهقي, من طريق ابن سيرين عن عمران به.([2])

وإسناده منقطع لأن ابن سيرين لم يسمع من عمران كما قال الدارقطني.([3])

ورواه عبد الرزاق من طريق قتادة عن العلاء بن زياد عن عمران بمثله.([4])

والحديث وإن كان موقوفا إلا أن له حكم الرفع, لما تقرر في الأصول أن قول الصحابي: السنة كذا ونحوه, في حكم المرفوع.

وظاهره يدل على وجوب الإشهاد في الطلاق وأنه لا يقع بدونه وهو قول الإمامية نص عليه أبو جعفر بن بابويه في (المقنع) وغيره.

وقد حكي الإجماع على خلاف هذا, فقال الشوكاني: (ومن الأدلة على عدم وجوب الإشهاد فى الرجعة: أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد فى الطلاق كما حكاه الموزعي في تيسير البيان).([5])

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (الرد على ابن المطهر) أن القول باشتراط الإشهاد فى صحة وقوع الطلاق، لم يقل به أحد من المسلمين إلا الإمامية.([6])

وقال الإمام أبو محمد بن حزم فى (إجماعاته): (ولم نعلم خلافا في أن من طلق ولم يشهد أن الطلاق له لازم، ولكن لسنا نقطع على أنه إجماع).([7])

فهذا ظاهر الدلالة على أن عمل المسلمين جرى قديما وحديثا على أن الإشهاد ليس شرطا في صحة وقوع الطلاق، فيقع بدونه.

وذهب الشيخ أحمد شاكر محدث مصر وأحد فقهائها وقضاتـها، إلى نفي الإجماع المذكور وإثبات الخلاف عن طائفة من السلف، زعم أنـهم يقولون كما يختاره هو، بعدم وقوع الطلاق من غير إشهاد.

قال الشيخ شاكر في رسالته المفردة في الطلاق: (وهذا الذى اخترنا هو قول ابن عباس، فقد روى الطبري عنه فى التفسير أنه قال:إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين كما قال الله ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾[الطلاق: 2]، عند الطلاق وعند المراجعة، وهو قول عطاء أيضا. فقد روى عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد قال: النكاح بالشهود، والمراجعة بالشهود...وكذلك هو قول السدي، فقد روى عنه الطبري فى قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾قال: على الطلاق والرجعة) هذا كلامه.

ثم حكى الشيخ شاكر أنه قول ابن حزم، كذا قال.([8])

واختاره الشيخ أبو زهرة والشيخ جعفر السبحاني من الإمامية في تأليف له مفرد في المسألة.([9])

قلت: أثر ابن عباس في ثبوته نظر، لأنه من رواية كاتب الليث عبد الله بن صالح  وهو كثير الغلط، وكذلك أثر السدي، رواه عنه أسباط بن نصر وهو كثير الغلط يغرب([10]) ولم يتابعا على ذلك.

سلمنا الصحة: لكن ليس فيهما ما يدل صراحة على أنهما يشترطان الإشهاد في صحة وقوع الطلاق كما هو ظاهر، وقد قال الجصاص: (ولا نعلم بين أهل العلم خلافا فى صحة وقوع الرجعة بغير شهود إلا شيئا يروى عن عطاء قال: الطلاق والنكاح والرجعة بالبينة، وهذا محمول على أنه مأمور بالإشهاد على ذلك احتياطا من التجاحد لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود، ألا ترى أنه ذكر الطلاق معها، ولا يشك أحد في وقوعه بغير بينة).([11])

وذكر أبو محمد بن الفرس في (أحكامه) أن من يقول بأن الأمر في الآية للوجوب, فليس معناه أن الإشهاد شرط في صحة الرجعة أو الطلاق، وإنما معناه أن في تركه تضييعا لما يتعلق بالفروج من الحقوق.([12])

وذكر القرطبي وإلكيا الهراس أن الظاهر في قوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق 2] أن الأمر بالإشهاد لا ينصرف ولا يرجع إلا إلى الرجعة، دون الطلاق.([13])

على أن أثر عطاء هو الآخر ليس صريحا في عدم وقوع الطلاق بغير إشهاد، وليس فيه كغيره من الآثار فى الباب، إلا وجوب الإشهاد في الطلاق، وهذا لا يقتضي أن يكون شرطا في وقوعه كما لا يخفى.

وهكذا القول في حديث عمران بن حصين، فإنه لا يدل على اشتراط الإشهاد في الطلاق، بل ظاهره الدلالة على أن الطلاق من غير إشهاد واقع، بدليل أنه اعتد بذلك الطلاق, ولم يفته أنه لا يقع, مع كونه في موضع الحاجة للبيان فلا يجوز في حقه تأخيره.

وما ذكره الشيخ شاكر، وتابعه عليه الدسوقي من أن ابن حزم يشترط في صحة وقوع الطلاق الإشهاد فيه, غلط ظاهر عليه, من وجوه:

الأول: أنهم أخذوه من لازم مذهبه في القول بوجوب الإشهاد في الرجعة، وهذا غلط لما تقرر من أن لازم المذهب ليس بمذهب, على إطلاقه.

الثاني: أنه قياس وقد عُلم أن ابن حزم لا يقول به مطلقا.

الثالث: ما مر عن ابن حزم من أنه حكى الاتفاق على لزوم الطلاق ووقوعه من غير إشهاد, وأقره عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، بل صرح أن نقل الإجماع على هذا من أظهر ما يدعى فيه الإجماع([14]), فلا يتصور أن يحكي ابن حزم الاتفاق ويخالفه.!

وما نقله الإمامية عن علي وجعفر الصادق ومحمد الباقر عليهم السلام، من أنهم يقولون باشتراط الإشهاد في صحة وقوع الطلاق كما هو مذهب الإمامية([15]) فلا يثبت النقل عنهم في هذا, ولم يرو بإسناد معتبر، ولو كان هذا مذهبهم لنقله أهل الحديث والأثر فى مصنفاتهم, بل ولنقله على الأقل الزيدية في تواليفهم, فإنـهم من أشد الناس اعتناء بمذاهب أهل البيت عليهم السلام.!

ولم أجد أحدا من السلف يصح عنه صراحة القول بعدم لزوم الطلاق بلا إشهاد، إلا ابن جريج، فقد روى عنه عبد الرزاق أنه قال:(لا يجوز نكاح ولا طلاق ولا ارتجاع إلا بشاهدين، فإن ارتجع وجهل أن يشهد وهو يدخل ويصيبها، فإذا علم فليعد إلى السنة، إلى أن يشهد شاهدي عدل).([16])

وذكر الشيخ زاهد الكوثري رحمه الله وعفا عنه, أن الأمر فى قوله (وأشهدوا...) لو كان للوجوب لذكر الإشهاد قبل قوله تعالى (وتلك حدود الله) على أنهم يقولون إن الطلاق في الحيض لا يقع، فيلزمهم إذا قالوا: إن الطلاق لا يقع من غير إشهاد, وأنه شرط في صحته، أن لا يقع طلاق أصلا، وإهدار قول المطلق وشهادة الشهود جميعا، لأن وقوع الطلاق في الحيض أمر لا يطلع عليه أحد إلا المرأة, ولا سبيل للشهود بمعرفته إلا من جهتها، ولو قدر أنهم شهدوا على وقوع الطلاق، فقول المرأة أن الطلاق كان في الحيض يهدر شهادتهم وقول المطلق ، فيعيد الرجل الطلاق إلى أن تعترف المرأة بأن الطلاق وقع فى الطهر، فيطول أمر النفقة على الرجل، وهو مصمم على الطلاق وفى ذلك عدوان وأي عدوان.([17])

قلت: وبتقدير دلالة خبر عمران على اشتراط الإشهاد في صحة وقوع الطلاق، فقد تبين أن عمل المسلمين جرى في كافة الأعصار والأمصار على خلافه، فيكون منسوخا به، أو يكون عملهم مبينا أن ظاهره غير مراد وأنه متروك، فلا يصح التعلق به والحال  هذه، فكيف وقد ثبت دلالته على نقيض ذلك، كما تقدم.

ولهذا قال الألوسي في (الصواعق) بعد حكاية مذهب الإمامية في منع وقوع الطلاق من غير إشهاد: (المعلوم قطعا من الشرع أن الإشهاد في الرجعة والطلاق مستحب قطعا للنزاع المتوقع، لا أن حضور الشاهدين شرط في الطلاق أو الرجعة كما في النكاح، وهو ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة) وبالله التوفيق.

آخره

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله

كتبه

بلال فيصل البحر

 



([1]) أبو داود فى الطلاق باب الرجل يراجع ولا يشهد 2186، وابن ماجه فى الطلاق باب الرجعة 2025، الوهم والإيهام 4/89 رقم 1534، بلوغ المرام رقم 1020

([2]) مصنف عبد الرزاق 6/ رقم 10255-10257، سنن سعيد بن منصور 1/313 رقم 1323، معجم الطبراني الكبير 18/رقم 419-420-421-422-423، سنن البيهقي 7/373

([3]) تهذيب التهذيب 9/192

([4]) المصنف 6/10256

([5]) المقنع 113، نيل الأوطار 7/3350.

([6]) منهاج السنة 3/418-419-420

([7]) مراتب الإجماع لابن حزم ص 72

([8]) نظام الطلاق للشيخ أحمد شاكر ص 92-93، مكتبة السنة 1407هـ، تفسير الطبري 28/137، أحكام الجصاص 3/456

([9]) الأحوال الشخصية, أبو زهرة 365، دار الفكر العربي.

([10]) التقريب 3388، 321

([11]) أحكام القرآن للجصاص 3/456

([12]) أحكام القرآن لابن الفرس 3/576

([13]) أحكام القرآن للكيا الهراس 4/420، دار الكتب العلمية 1422هـ، الجامع للقرطبي 18/157

([14]) نقد مراتب الإجماع ص 73

([15]) تهذيب الأحكام للطوسي 8/26، دار الأضواء ط3 1406هـ، شرائع الإسلام للحلي 3/19، دار الأضواء ط2 1403هـ، فقه جعفر الصادق لمغنية 16/12، دار الجواد ط5، 1404هـ، الفقه على المذاهب الخمسة لمغنية 415هـ، دار العلم للملايين، المختصر النافع للحلي ص 198، دار الكتاب العربي.

([16]) أخرجه عبد الرزاق 6/رقم 10254

([17]) الإشفاق على أحكام الطلاق ص 88 ، مجلة الإسلام.


أضف تعليق

كود امني
تحديث

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

 
 

Login