وقول الله تعالى { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألبابِ } [الرعد:١٩]


يجهل أكثر الناس منزلةَ العلمِ وآثارَه وعلوَّ شأنِه ، فيستخفون به ، ويزهدون عنه ، ولايقيمون لأهله الإجلال والتوقير الذي يليق بهم ، بل يبقون في مهاوي الجهل يتخبطون .

وإنَّ من بؤس الإنسان وشقاوته أن يُصرَف عن العلم ويُحرم منه ، فيبقى أعمى البصيرة ، معاقاً عن السير إلا بمن يقوده مِمّن رُزق شيئاً من نور العلم .
فإن للعلم أنوارٌ و آثارٌ وأسرارٌ لاتنكشف إلا لمن أخلص النية، و سلكه وجاهد فيه وكابد ، وقطع أشواطاً ومراحل فيه .

ولذا فإني لا أبالغ حين أقول :

إن أحوال الناس إزاء العلم ثلاثةُ أصناف :

الصنف الأول : العميان ، وهم عامة الناس ، الذين لا خَلاق لهم بالعلم وأهله ، قد انغلقتْ عنهم أنوارُه وحُجِبتْ عنهم أسرارُه ، فحُرِموا آثارَه ، وخسِروا ثمارَه ، فهم عميان البصيرة ، تتلاعب بهم الأهواء وتتقاذفهم الفتن ، ويخوضوا في بحار من العمى والجهل ، فليس لهم إلا أن يرضخوا لِمَن يقودهم و يُقلّدونه دينهم  ، ولو كان أعوراً ، وهم :

الصنف الثاني : وأعني بالعوران : طلبةَ العلمِ : الذين أمضوا السنين الطوال في سعي حثيثٍ جادٍ في طلب العلم ، ليتمكنوا من إبصار جزئي ، فتُفتَح لهم على قدر مبلغهم من العلم ما يبلِّغُهم منازل (العوران)!!!

فطالب العلم أعور قد انكشفتْ له بعضُ أسرارٍ وسطعتْ له بعض أنوارٍ ، بما يعينه على السير ، ويُمَكّنُه من إرشاد العميان دونه .

وإنما لم أقل : بصيراً ضعيف البصر ؛ لأن الأعور لا يرتقى لقوة البصير ذي العينين مهما قوِي بصرُه .

 ثم إنه قد يُفتح على طالب العلم أبوابٌ من الافتتان إذ يرى نفسه -متوهماً- أنه قد صار بصير العينين ؛ لما قد يرى حوله من كثرة العميان ، وقد قيل في المَثَل (الأعور- بين العميان - : سلطانٌ) فيظن نفسه سلطاناً في العلم حين يكون وسط أناس كلهم عميان !!!

الصنف الثالث : وهو البُصَراء ، وأعني بهم العلماء ، إذ لا يرزق الإبصار بعينين اثنتين إلا العلماء ، لكن هذه البصيرة هي حتى عند العلماء متفاوتة القوة والحِدّة ، ففيهم الأَحْوَل ، وفيهم الأعمش، وفيهم الأعشى ، وفيهم ضعيف البصر بكل حال.

لذا فلا يصل لحدة البصر الثاقب إلا الراسخون في العلم ، العلماء الربّانيّون ، فهم يرون ما لا يرى غيرهم ، و يُبصرون بثاقب نظرهم ما لا يُبصر غيرهم ، وتنكشف لهم من أسرار الشريعة ودقائق الفهم في نصوصها ما يُحجبُ عن غيرهم .

لذا فحَرِيّ بكل أعمى أن يعرف قدر نفسِهِ فلا يزاحم أعوراً ولا بصيراً في العلم ، بإقحام نفسه في تفسير نصٍّ ، أو تنزيل حكم ، وقريب منهم -أعني من العميان- : العوران طلبة العلم ، فلا يغترّ طالب علم بما رُزِق من بصيص نور العلم ، فيتوهم نفسه صار بصيراً تام البصر .

 

               هذه المقالةُ قد تبدو قاسيةً على بعض قارئيها ، لكن نشرتها لمصلحة ، راجياً تحقيق المقصد الذي نويته منها .

فإنَّ من سلك طريق العلم بعد أن كان عامِّياً أدرك حينها العمى والظلام الذي كان فيه ، ثم مَن وفّقه الله واصطفاه من طلبة العلم وترقى إلى مراتب العلماء أدرك حينها أنه كان أعوراً -عن إدراك أسرار الشريعة وفهم دقائها -بما عنده من فتات العلم .

التعليقات  
0 # محمود ابو عبدالله 2018-11-19 14:35
جزاك الله خير
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
أضف تعليق

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter

 
 

Login