إضاءة أولى :


يسمع أسامةُ أحدَ الوعاظِ وهو يتكلم عن طريقة علاج ابتلائه في دينه بخطوات واضحة ، و وعود واثقة بالتوفيق في معافاته من ذلك الابتلاء في دينه ، فيسارع المسكين بحماس في الامتثال لتلك الطريقة حرفياً ثم يخفق في التغيير !!!


ويسمع يوسفُ أحدَ خبراء التنمية البشرية وهو يذكر قوانين النجاح ، وخطوات التميّز ، وهو يَعِدُ السائرين على تلك الخطوات بالنجاح و التغيير ، وبكلمات واثقة ، فيسارع - بتفاؤل وحماس- إلى تطبيق تلك القوانين حرفياً ، والسير على تلك الخطوات ثم يخفق يوسف هو الآخر في التغيير !!!


ويسمع زيدٌ المريضُ بطبيب حاذق في تخصصه فيسارع إليه آملاً في شفائه وتغيير مأساته ، فيُشخص له ذلك الطبيب مرضه ويصف له دواءه ، ثم يخفق زيد أيضاً في تغيير حالته الصحية !!!


إضاءة ثانية :


كثيراً ما نسمع أو نشاهد المصلحين من دعاة أو خبراء التنمية البشرية أو أطباء ... و أشباه هؤلاء من دعاة الاصلاح و رواد التغيير - وهم يطرحون حصيلتهم المعرفية في التغيير - سواءً كان ذلك التغيير خاصاً أو عاماً ، وللأسف تغيب عنهم حقيقة كبيرة ومهمة للغاية في نجاح ذلك الإصلاح أو تحقيق ذلك التغيير المرجو من تلك الطروحات التي يتلونها على مسامع الناس عامة ، او اهل البلاء والمعاناة خاصة ، وهذه الحقيقة هي (الاستثناء) فهم يعممون تجاربهم ويعممون قوانينهم ، فيطلقون القول ان من فعل كذا وكذا - كان النجاح حليفه ، أو إن من سار على كذا وكذا فقد حقق التغيير لا محالة ، و أن من تناول كذا وكذا فقد نال الشفاء وتخلص مما يعانيه ... هكذا بإطلاق دون استثناء ولا تفصيل !!!
والحق أن لكل تأصيل أو قاعدة أو نظرية أو قانون - استثناءات – سواء في الدين أو سائر علوم ومعارف الحياة ، وهذه الاستثناءات يُغفلها أو يتغافل عنها أولئك المصلحون أو خبراء التنمية البشرية أو الأطباء حينما يَذكرون للناس سُبُلَ التغيير ، فيسلك المُعجَبون والمتأثرون والواثقون بهم : ما رسمه لهم أولئك من خارطة التغيير ، ثم تكون الفاجعة أن لا يجنوا ثمار ذلك التغيير المأمول ، رغم الحرص عليه ، ورغم ما بذلوه من مشقة في الظفر به !!!


و مردّ ذلك إلى جملة أسباب تنطوي تحت ما أَسمَيْتُهُ بـ (الاستثناء) ، و لْنأخذ نموذجاً جزئياً لبيان هذه الظاهرة العامة ؛ ليتضح المقصود :


حين يأتي مريضٌ لطبيب ؛ لأجل علاجه من مرضه ، فإن هذا الطبيب يجتهد في تشخيص مرضه ، وهنا تبرز أوّل عقبات العلاج الناجح ، فاجتهاد الطبيب يجعله مُعرّضاً للخطأ في معرفة داء ذلك المريض - فمهما كان بارعاً حاذقاً في تخصصه فهو معرض للخطأ ، ثم إنه إذا أصاب في التشخيص ، و وصف له دواءاً فقد تكون تلك التركيبة من الدواء لا تناسب ذلك المريض بعينه ، وهنا عقبة أخرى تواجه المريض ، ثم إذا أفلح الطبيب في تشخيص المرض ثم أفلح في تشخيص الدواء بالتركيبة المناسبة لذلك المريض ، فتَرِدُ هنا عقبة أخرى ، فقد يخطيء المريض في تناول الجرعة المناسبة لمرضه ، ثم إن تجاوز هذه العقبة ، فقد تواجهه عقبة أخرى وهي ان يكون قد تناول الدواء في غير الوقت المناسب فيكون اثره عكسياً ، فيضره ذلك الدواء رغم انه مناسب له بالجملة ؛ لانه لم يتناوله في الوقت المناسب !!!
ثم لك أن تعمم هذا التوصيف في أسباب الفشل في التغيير ، على سائر ضروب الخلل أو الفشل أو الانحراف أو التقصير .
فتنزيل الأحكام الشرعية على مظانها هو في الحقيقة اجتهاد .
وتوصيف خطط النجاح - العامة-  لفرد بعينه هو أيضاً اجتهاد .
كما ان تشخيص المرض من قِبل الطبيب هو اجتهاد أيضا كما مرّت الإشارة .
وبناء على كون تلك المحاولات هي محض اجتهادات لزم أن يكون التعميم في التنزيل ممتنعاً ؛ لأن لكل إنسان خصوصيته في تركيبة النجاح المناسبة له في التغيير ، قد تختلف عن غيره .

فلكل ساعٍ للتغيير في حياته أقول :

1- لاتيأس بسبب الإخفاق ، ولا يكن الفشلُ سبباً للقنوط ، فلا تتردد في إعادة المحاولة لكن بإسلوب آخر .

2- إياك أن تتوهم أن نجاح غيرك في التغيير بأسلوبٍ ما أو طريقة ما - سلكها _ يستلزم مناسبة تلك الطريقة أو الأسلوب لك أنت أيضاً .

3- لكلٍّ تركيبته العقلية و البدينة و الإيمانية الخاصة به ، فيلزم من ذلك أن تكون له الطريقة التي تناسبه في التغيير .

 

 

أضف تعليق

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

 
 

Login